ملا محمد مهدي النراقي
77
جامع السعادات
أعني . الشكوى والذل والإيذاء ، وتندفع هذه المحذورات بأن يظهر حاجته تعريضا بعد تقديم الشكر لله ، وإظهار الاستغناء عن الخلق عند بعض الأصدقاء أو الأسخياء ، إذ السؤال من الصديق لا يوجب الإذلال ، والسخي لا يتأذى بالسؤال بل يفرح به . ثم ما ذكر إنما هو في السؤال للاحتياج إليه بعد النسبة لما يحتاج إليه في الحال ، وأما السؤال لما يحتاج إليه في الاستقبال ، فإن كان يحتاج إليه بعد السنة فهو حرام قطعا ، وإن كان يحتاج إليه قبلها ، سواء كان بعد أربعين يوما من يومه أو خمسين أو أقل أو أكثر ، فإن أمكنه السؤال عند بلوغ وقت الحاجة فلا يحل له السؤال ، وإن علم بأنه لا يتمكن من السؤال عنده فهو جائز مع الكراهة والمرجوحية ، وكلما كان تراخي الحاجة عن يومه أكثر كانت الكراهة أشد . ثم معرفة درجات الحاجة وضعفها وشدتها والوقت الذي يحتاج فيه موكول إلى العبد ومنوط باجتهاده ونظره لنفسه بينه وبين الله ، فليعمل به بعد استغناء قلبه على ما يقتضيه سلوك طريق الآخرة ، وكلما كان يقينه أقوى ، وثقته بمجئ الرزق أتم ، وقناعته بقوت الوقت أظهر ، فدرجته عند الله أعلى . فيا حبيبي ، لا تهبط نفسك من أوج التوكل والاعتماد على الله إلى حضيض الخوف والاضطراب في مجئ رزقك ، ولا تصغ إلى تخويف الشيطان ، فإنه يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ، وكن مطمئنا بوعد ربك ، إذ قال : " والله يعدكم مغفرة منه وفضلا " ( 61 ) . واسمع قول نبيك ( ص ) حيث قال : " لو توكلتم على الله حق توكله ، لرزقتم كما ترزق الطيور ، تغدوا خماصا وتروح بطانا " . ومنها : الحرص وهو معنى راتب في النفس ، باعث على جميع ما لا يحتاج إليه ولا يفيده من الأموال ، من دون أن ينتهي إلى حد يكتفى به ، وهو أقوى شعب حب
--> ( 61 ) البقرة ، الآية : 268 .